محمد محمد أبو ليلة
162
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
ونقل بإسناده عن فلفلة الجعفي قال : " فزعت فيمن فزع إلى عبد اللّه ( هو ابن مسعود ) في المصاحف فدخلنا عليه فقال رجل من القوم إنّا لم نأتك زائرين ، ولكنا جئنا حين راعنا هذا الخبر . فقال " إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبواب ، على سبعة أحرف ( أو حروف ) ؛ وإن الكتاب قبلكم كان ينزل ( أو أنزل ) من باب واحد على حرف واحد معناها واحد " « 1 » . ومعنى كلام ابن مسعود رضي اللّه عنه أن القرآن تتعدد قراءاته كما تتعدد أبواب إعجازه ومفاهيمه ؛ ولأن القرآن إنما جاء ليخاطب الناس جميعا على اختلاف ألسنتهم ولهجاتهم فناسب أن تتعدد وجوه قراءته ، وأما الكتب السابقة على القرآن فكانت لأقوام خاصة من ذوي اللسان الواحد لا تتعداهم أصلا . وها هو عبد اللّه بن مسعود يقرر أيضا أن ما كان معه لم يكن قرآنا آخر ، ولا وحيا غير الوحي الذي أنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما كان مجرد قراءة للقرآن نفسه قد تختلف في بعض الحروف يقول : " لقد أخذت من في ( فم ) رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبعين سورة ، وإن زيدا بن ثابت لصبي من الصبيان . . . " « 2 » . فقراءة زيد وقراءة عبد اللّه كلتاهما منزّلة ؛ وفي كل رواية جاءت باحتجاج عبد اللّه بن مسعود عن عدم ضم عثمان له إلى لجنة جمع القرآن ، ذكرت فيها عبارة " من في رسول اللّه " ؛ ومعنى ذلك أن الاختلاف الواقع في القراءات كان لمزيد الحرص على القرآن وليس هو بالاختلاف حول القرآن . وكان عبد اللّه جد حريص ، وحرىّ به أن يكون كذلك ، على تجريد المصحف ؛ ومن أقواله : " لا تخلطوا بكتاب اللّه ما ليس منه " ، يقصد وضع أسماء السور وأرقامها ، والإشارة إلى أجزاء القرآن في نص المصحف « 3 » . وكان رضي اللّه عنه يملى المصحف كله من حفظه ، شهد له بذلك الكبار « 4 » .
--> ( 1 ) الحافظ أبو بكر عبد اللّه بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني كتاب المصاحف . القاهرة - المطبعة الرحمانية 1335 ه 1936 م ص 18 . ( 2 ) المصدر نفسه ص 15 . ( 3 ) كتاب المصاحف 138 . ( 4 ) نفسه 136 - 37 .